صورة من فيلم «You can see everything»
في ثلاث سنوات استطاع ناثان فيلدر بالتعاون مع لانس أوبنهايم وفريق عمل A24 في إخفاء فيلم كامل يحمل الحقائق المبهرة والغامضة عن أحد أكثر شخصيات القرن الـ21 جدلًا على الإطلاق، إليزابيث هولمز. المرأة التي ادعت أنها تملك تقنية للكشف عن أمراض السرطان والسكري ببيع قطرات دمرت فقط، ولقبتها مجلة فوربس في عام 2015 بأنها أصغر مليارديرية في العالم وخليفة ستيف جوبز، قبل أن يتساقط كل هذا الوهم تدريجيًا حتى خسرت ثروتها بالكامل وحُكم عليها بالسجن لأحد عشر عامًا.
يستدعي هذا الفيلم الكثير من علامات الاستفهام عن كيف تم تصويره في سرية تامة وإحضاره للعالم بمفاجأة عملاقة بمهرجان تيلورايد السينمائي السنوي، ومعه ظهرت إشادات كثيرة ومثيرة عن هذا الفيلم، فهو بالفعل استطاع أن يجلب قلقًا في عالم شخصيات الفيلم وما هو متعلق بها، وبقي في أذهان كل معجب سينمائي لمعرفة ما تحمله هذه المفاجأة.
يبدأ الفيلم من تواجد ناثان فيلدر كدخيل بشكل ما في حياة إليزابيث هولمز ببيتها مع زوجها وابنها، وسريعًا يظهر أن ناثان فيلدر استطاع التواجد لأنه تم طلب منه هذا من إليزابيث قبل بدء فترة عقوبتها بالسجن نتيجة عمليات الاحتيال التي تم إثبات إدانتها بها، كتوثيق لحياتها الشخصية وطريقة انتظارها لمستقبلها القريب وسط استغلال كل لحظة مع أفراد عائلتها.
في الفيلم نتابع كيف يحاول ناثان قدر المستطاع ألا يظهر دخيلًا في تلك اللحظات، ولكن إليزابيث بشكل أو بآخر تريد جلب ناثان لكي يتدخل، ومنذ تلك اللحظة تظهر رغبات الشخصية التي تم صنع الفيلم عنها بشكل حقيقي كأكثر كبداية لإثبات أن الفيلم يريدنا أن «نرى كل شيء» كما هو عنوانه، ولا يتوقف ناثان في إظهار مهاراته وقدراته في جلب الأحاديث من الشخصيات الحاضرة بطريقته الساخرة المميزة التي أظهرها في أعماله السابقة كلها.
ومع تقدم زمن الفيلم واقتراب موعد رحيل إليزابيث، يقترب ناثان من كشف أسرار بطريقته التي لم تكن مباشرة إطلاقًا، بل بها حيل استفزازية لإخراج الشخصيات عن راحتها، ويظهر لاحقًا كيف تم إخراج تلك الحقائق بدون صعوبة.
نحن نرى إليزابيث هولمز الآن كامرأة أعمال، شخصية من أكثر الشخصيات التي أثرت في العالم، أم لطفلها، محتالة متهمة بأفعالها، مديرة لمنزلها وشخصية لها مستقبل ينتظرها في السجن، ولكن هل ناثان يريد أن يكشف عن هل هي مظلومة أم لا؟
الفيلم ليس مجرد كاشفًا للحقائق وحسب، بل هو حامل لأساليب تقنية قادرة على استمداد روحًا للفيلم بها من شخصية الأحداث والأفكار الخاصة به، مثل حضور الموسيقى التي قدمت نفسها بشكل غير مكرر ومتفهمًا لما يريده الفيلم، ومعها قدرته على التعبير بشكل أوسع عن كل موقف وكل حدث حواري يحدث بالداخل، مع تمكين ناثان بنفسه ومن معه على الوصول لمبتغاهم الحقيقي من كل هذا.
لم يتوقف ناثان عن صنع فيلمه بعد دخول إليزابيث لفترة سجنها، بل توقع أن الحقيقة التي يسعى وراءها لن تتوقف هناك، بل توجد ألغاز وعلامات استفهام الوصول لها لن تكون بتلك السهولة، بل لها تضحيات تطبيقها سيأخذ وقتًا طويلًا، وبالفعل أخذ ما يكفيه من وقته لكي يحصل على كل تلك الحقائق المختبئة بدليل الثلاث سنوات تلك، استمر ناثان في الذهاب والعودة بأكثر من مكان وأكثر من شخص للحصول على المعلومات التي تجلب ما قد يريده ويحدث بها ما لا قد يصدقه أي أحد، ويتلقى عقبات خاصة قد توقفه عن حده، ولكن ناثان وجد أن هذا ليس مجرد مشروع سينمائي، بل صفحة أفكار قد تساند مواضيع هامة لاحقًا ولها وزنها الخاص، وبها وجبة سينمائية يريدها أي محب وعاشق لهذا العالم وقادرة على صنع أي شيء، فيستمر ناثان في استحضار أدواته ومفاجآته الخاصة التي تقدر على جلب كل شيء لا يصدقه أحد، وهذا استمر حتى مشهد النهاية بكل بساطة.
فيلم «You Can See Everything» لا يكتسب أهميته وقدرته على أن يحقق مثل تلك الإشادات لمجرد قدرته على جلب الحقيقة وكشف المستور، بل هو بالفعل يحقق معادلة إيجادها لم يكن سهلًا على الإطلاق ولها معناها في العالم السينمائي فقط، وحدث هذا بمساعدة ناثان ولانس أوبنهايم، لانس خلف الكاميرات، فهو عادة من تحمل إخراج كل التقنيات التي اعتمد عليها للفيلم، ولكن ناثان كان كل الفيلم أمام الكاميرات بدوره لصنع كل تلك الأحداث التي تناولها في تحرير الفيلم، دون أن يضفي طابعًا سلبيًا على ما يراه، فقط يمنحنا الفرصة لنراها برفقته.
وتستمر سلاسل التحقيقات الخاصة بناثان ويستمر في جلب المفاجآت والظهورات غير المتوقعة حتى الحصول على ما كان يريده من كل تلك المجهودات التي استمرت وقتًا جاوز الثلاث سنوات حتى عرض الفيلم بمهرجاني تيلورايد ونيويورك. هذا فيلمًا قد يكون تدليلًا عن سبب صنع السينما. والآن انتهى دور الفيلم نفسه بعد عرضه ولاحقًا بعد انتهاء جولته بمهرجانات العالم وتحقيق مسعاه، سيراه الكثيرون وكله سيقولون «I’ve Seen Everything».